استنادا لأطروحات الكلاسيك لم يكن لتدخل الدولة دور في الحياة الاقتصادية؛ بل إن حتى الاقتصاد يتوازن لوحده وفق آلية الأثمان أو ما سميت حينها باليد الخفية؛ لكن ومذ أزمة الخميس الأسود أو أزمة الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي ألف الاقتصادي البارع جون مينارد كينز كتابا عنونه بـ"النظرية العامة للفائدة والنقود والعمالة" فقلب بآرائه النظرية الاقتصادية رأسا على عقب؛ حيث يرى كينز أن على الدولة أن تقوم بأدوار اقتصادية كلية لإرجاع التوازنات الكلية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي خاصة في الأسواق.
ومن ذلك الحين تسعى جميع الدول سواء المتقدمة أو النامية نحو تصميم ورسم السياسة الاقتصادية الكلية الملائمة لتجنيب اقتصاداتها الوقوع في اختلالات اقتصادية مختلفة قد لا تستطيع الخروج من مآزقها وعواقبها، والسياسات الاقتصادية متنوعة ومتعددة، فنجد منها السياسة المالية والسياسة النقدية والسياسة التجارية وغيرها التي تعرف في مجموعها بالسياسات الاقتصادية الكلية.
      وقد جآءت هذه المطبوعة لتهتم بدراسة موضوعة السياسات الاقتصادية الكلية، من حيث المفهوم والإطار النظري العام والأدوار التي تؤديها في الاقتصاد، وهي موجهة عموما لكل الراغبين في فهم السياسة الاقتصادية الكلية، والإلمام بجزء كبير من حيث تفاصيلها التعريفية والنظرية، وخاصة منهم طلبة الجامعة للأطوار الثلاث الليسانس والماستر والدكتوراه.
      وهي خلاصة وثمرة بحث وتعمق في الموضوعة ونتيجة تدريس مقاييس متعلقة بها طيلة سنوات عديدة في الجامعة، وهو ما ساعدنا على صياغة المحتويات بشكل يلائم المتطلبات المعرفية للطلبة، ونأمل من الله تعالى أن يكون لهذا العمل إضافة منهجية وعلمية ومعرفية للمكتبة الجامعية الجزائرية خاصة وللمكتبات الأخرى بصفة عامة.
        وقد عالجنا في هذه المطبوعة موضوعة السياسات الاقتصادية الكلية بمكوناتها وتفاصيلها في عناصر عديدة، بحيث تناولنا في البداية مدخل إلى السياسات الاقتصادية بشكل عام، تعرضنا فيه تعريفها، وأهدافها وأدواتها المتمثلة في السياسة المالية، السياسة النقدية والسياسة التجارية، ثم استعرضنا خطوات إعداد السياسة النقدية في الدول المختلفة.
وفي المرحلة الثانية السياسة المالية، من حيث المفهوم والتعريف، وكذا أدواتها المختلفة التي تؤثر في النشاط الاقتصادي، ثم عرجنا على رؤية ونظرة المدارس الاقتصادية المتنوعة إلى السياسة المالية عبر العصور.
        أما في الجزء الثالث، تطرقنا إلى السياسة النقدية، مفهوما وتعريفا، ثم أدواتها بأشكالها المختلفة والتي يلجأ إليها البنك المركزي من أجل التأثير في الاقتصاد خاصة ما تعلق بالتحكم في العرض النقدي، وولجنا بعد ذلك مجال التنظير لها، متطرقين إلى أهم المساهمات النظرية والفكرية التي نظرت للسياسة النقدية منذ قرون من كلاسيك وكينزيين إلى غيرهم ممن أصلوا للسياسة النقدية.
ثم تناولنا كمرحلة رابعة موضوعة السياسة التجارية، تطرقنا فيها أيضا إلى المفهوم والأهداف وكذا الأدوات ثم الإجراءات المختلفة المؤثرة في النشاط الاقتصادي.
       وفي العنصر الخامس، ونظرا لأهمية الوقوف على دور السياسة الاقتصادية، وباعتبارها أداة للبحث عن المشاكل الاقتصادية لوضع الحلول الملائمة والمناسبة لها من قبل صناع القرار،  كان لزاما قبل ذلك أن نلج إلى مجال الاختلالات الاقتصادية المختلفة التي تعاني منها الدول سواء المتقدمة أو النامية، بحيث ركزنا على أهم المشكلات الاقتصادية، بدءا بمعضلة التضخم (عدم استقرار المستوى العام للأسعار)، مشكلة البطالة والركود الاقتصادي، مشكلة العجز الموازني (عجز الموازنة العامة للدولة)، ثم الاختلال في ميزان المدفوعات.
      وأخيرا، تطرقنا إلى أدوار السياسات الاقتصادية الكلية في ضبط الاختلالات الاقتصادية، عالجنا بداية دورها في علاج معضلة التضخم، ثم فعاليتها في الخروج من مأزق الركود والبطالة، وتناولنا في نقطة أخرى كيفية علاج العجز الموازني من خلال تدخل أدوات السياسة الاقتصادية، وفي النهاية وقفنا على أدوار السياستين المالية والنقدية في تصحيح الاختلالات المتعلقة بميزان المدفوعات.